الغزالي

177

إحياء علوم الدين

أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، يتمثل كثيرا ويقول يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها إن اغترارا بظل زائل حمق وقيل إن هذا من قوله ويقال أن أعرابيا نزل بقوم ، فقدموا إليه طعاما ، فأكل ، ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك ، فاقتلعوا الخيمة ، فأصابته الشمس ، فانتبه فقام وهو يقول ألا إنما الدنيا كظل ثنية ولا بد يوما أن ظلك زائل وكذلك قيل وإن امرأ دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور مثال آخر للدنيا ، من حيث التغرير بخيالاتها ، ثم الإفلاس منها بعد إفلاتها تشبه خيالات المنام ، وأضغاث الأحلام . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « الدّنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون » وقال يونس بن عبيد ، ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام ، فرأى في منامه ما يكره وما يحب . فبينما هو كذلك إذ انتبه . فكذلك الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا ، فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه ، وفرحوا به . وقيل لبعض الحكماء ، أي شيء أشبه بالدنيا ، قال أحلام النائم مثال آخر للدنيا ، في عداوتها لأهلها ، وإهلاكها لبنيها اعلم أن طبع الدنيا التلطف في الاستدراج أولا ، والتوصل إلى الإهلاك آخرا . وهي كامرأة تتزين للخطاب ، حتى إذا نكحتهم ذبحتهم . وقد روى أن عيسى عليه السلام ، كوشف بالدنيا ، فرآها في صورة عجوز هتماء ، عليها من كل زبنة ، فقال لها كم تزوجت قالت لا أحصيهم ، قال فكلهم مات عنك أم كلهم طلقك ؟ قالت بل كلهم قتلت . فقال عيسى عليه السلام ، بؤسا لأزواجك الباقين ، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين ! كيف تهلكينهم واحدا بعد واحد ، ولا يكونون منك على حذر !